
الفصل الثالث: البنت اللي شالت سر الحديدي
لم يتكلم سليم لثانيتين. ثانيتان فقط.
لكن داخله انهار قصر كامل.
ثم قال بصوت لم يسمعه موسى من قبل:
ـ اقفلوا كل مخارج المستشفى.
جاءه صوت الحارس متقطعًا: ـ عملنا كده يا فندم… بس الكهرباء قطعت… والكاميرات وقفت… والطفلة اختفت من الدور.
ضغط سليم على الهاتف حتى كادت أصابعه تكسره. ـ هالة؟
ـ لسه في العناية… بس حاولوا يدخلولها.
ـ مين؟ ـ مش عارفين. كانوا لابسين زي تمريض.
أغلق سليم الخط. ثم التفت إلى موسى والحراس.
ـ نرجع المستشفى.
قال موسى بقلق: ـ والفلاش؟
رفع سليم عينيه إليه. ـ الفلاش ده سبب كل اللي بيحصل.
ثم وضعه في جيبه الداخلي.
ـ وليان أهم منه. —
في الطريق إلى المستشفى، لم يكن سليم يرى الشوارع. كان يرى وجه ليان فقط.
طفلة صغيرة وقفت في مكتبه بمريلة أمها، تطلب وظيفة بدلًا منها.
طفلة لا تعرف أن اسمها وحده يكفي لإشعال حرب. كان عقله يعمل بسرعة مرعبة.
من عرف بوجودها؟ من فتش بالطفلة ووضع المفتاح في جيبها؟
من دخل مكتبه في القصر؟
ومن داخل دائرته يستطيع تعطيل كاميرات المستشفى بهذا الشكل؟ كل الإجابات كانت تقوده إلى مكان واحد:
الخيانة ليست قريبة منه فقط. الخيانة تعيش معه.
—
عندما وصل إلى المستشفى، كان المكان في فوضى كاملة. أصوات مرضى.
ممرضات مذعورات. حراس منتشرين في الممرات.
وموسى يصرخ في العاملين كي لا يخرج أحد.
اندفع سليم نحو الدور الذي كانت فيه ليان. الحارس المصاب كان جالسًا على الأرض ويده تنزف.
ـ حصل إيه؟ قال الحارس وهو يلهث:
ـ واحدة لابسة نقاب دخلت الحمام جنب أوضة هالة… وبعدها بدقايق النور قطع… ولما رجع لقينا الشباك مفتوح والطفلة مش موجودة.
اقترب سليم من الحمام. نظر إلى الأرض.
آثار ماء. قطعة قماش صغيرة ممزقة.
ورائحة عطر خفيف.
تجمد فجأة. كان يعرف هذه الرائحة.
عطر نادر. لا يستخدمه إلا شخص واحد في القصر.
داليا المنصوري.
خطيبته السابقة. وابنة الرجل الذي كان يحاول والده تزويجه منها حفاظًا على التحالفات القديمة.
همس موسى: ـ يا فندم؟
سليم لم يجب.
انحنى وأخذ قطعة القماش.
كانت من وشاح حريري فاخر.
ليست لامرأة جاءت تختطف طفلة بنفسها.
بل لامرأة أرادت أن يعرف سليم أنها كانت هنا.
رفع رأسه وقال:
ـ فتشوا كل الشوارع حوالين المستشفى. ـ حاضر.
ـ واطلبوا تسجيلات المحلات برا.
ـ تمام. ثم التفت إلى نبيل.
ـ هاتلي داليا. تردد نبيل.
ـ حضرتك تقصد…
ـ أقصد تجيلي دلوقتي. ولو رفضت…
قولها إن سليم الحديدي لقى ريحة عطرها في مكان اختفاء طفلة. —
لم تكن داليا تحتاج إلى أكثر من عشرين دقيقة لتظهر.
دخلت المستشفى بكعب عالٍ ومعطف أبيض طويل وكأنها داخلة حفلًا لا مسرح جريمة. ملامحها باردة.
ابتسامتها محسوبة. قالت وهي تقترب من سليم:
ـ واضح إنك لسه بتحب الدراما.
لم يرد. رمى قطعة القماش أمامها.
ـ دي بتاعتك؟ نظرت إليها.
ثم ابتسمت.
ـ ممكن تكون. اقترب منها خطوة.
ـ فين ليان؟ رفعت حاجبها.
ـ مين ليان؟
الصفعة لم تأتِ بيده. أتت بنظرته.
اختفت ابتسامتها للحظة. قالت ببرود:
ـ أنت فاكر إن العالم كله بيشتغل عندي؟
ـ لا. قالها سليم بهدوء.
ـ بس أنا فاكر كويس إن أبوكي كان آخر واحد شاف عمر قبل الحادثة. تغير لون وجهها.
لحظة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية. ـ إياك تدخّل أبويا في جنانك القديم.
ـ الجنان القديم طلع مدفون في نعش فاضي. صمتت داليا.
وهنا تأكد سليم أنها تعرف.
اقترب أكثر وقال: ـ آخر فرصة. فين الطفلة؟
نظرت حولها إلى الحراس. ثم قالت بصوت منخفض:
ـ لو كانت البنت معايا، كنت قتلتها قبل ما تشوفك.
اندفع موسى غاضبًا: ـ يا بنت…
رفع سليم يده فأوقفه. أما داليا فأكملت:
ـ اللي أخدها مش عايز يموتها دلوقتي.
ـ عايز إيه؟ ـ الفلاش.
اتسعت عينا موسى. وسليم ظل ثابتًا.
داليا ابتسمت.
ـ آه. واضح إنك لقيته. ـ مين قالك؟
ـ لأنك لو ما كنتش لقيته، ما كنتش مرعوب كده. اقترب سليم منها حتى كاد صوته لا يسمعه غيرها.
ـ أقسم لك يا داليا… لو شعرة واحدة وقعت من راس ليان، ههد القصر فوق دماغ كل واحد فيكم.
ابتسمت ابتسامة بلا روح. ـ متأخر يا سليم.
ـ على إيه؟
على إنك تختار تكون إنسان.
ثم استدارت ومشت.
وقبل أن تخرج قالت:
ـ دور جوه بيتك.
الخائن مش بيحتاج مفتاح الباب.
— في نفس اللحظة…
استيقظت ليان في مكان مظلم.
كانت يداها مربوطتين بشريط ناعم لا يجرحها. وفمها غير مغطى.
هذا أخافها أكثر. الخاطفون الذين لا يمنعونك من الصراخ…
يكونون متأكدين أن لا أحد سيسمعك.
نظرت حولها. الغرفة واسعة.
رائحتها رطبة. هناك صوت ماء بعيد.
ربما بدروم.
ربما مخزن قديم. حاولت أن تتحرك.
فسمعت صوت رجل يقول من الظلام: ـ صحيتِ يا بنت عمر؟
تجمدت.
ـ أنا اسمي ليان. ضحك الرجل.
ـ عارفة. بس اسمك الحقيقي أخطر. ـ إنت مين؟
ظهر الرجل من الظل.
كان كبيرًا في السن. شعره أبيض.
يرتدي بدلة رمادية. وجهه مألوف بطريقة غريبة.
لكنها لم تعرفه.
قال بهدوء: ـ أنا شخص كان المفروض يقابلك من زمان.
ـ عايزة ماما. ـ مامتك كانت شجاعة.
ـ هي لسه عايشة؟
ـ لحد دلوقتي. بدأت تبكي.
ـ عايزة أروح. جلس الرجل أمامها.
ـ هتروحي… لما عمك سليم يدينا الحاجة اللي معاه.
رفعت وجهها. ـ عمي؟
ابتسم الرجل. ـ محدش قالك؟
هزت رأسها.
ـ سليم الحديدي عمك. سكتت ليان.
كأن عقلها الصغير لم يجد مكانًا للكلمة. عمك.
كانت تظن أنها لا تملك إلا أمها.
الآن يقول لها رجل غريب إن أخطر رجل رأته في حياتها هو من دمها. سألت بخوف:
ـ هو يعرف؟ ـ بدأ يعرف.
ـ وهو وحش؟
صمت الرجل قليلًا. ثم قال:
ـ هو اتربى وسط وحوش. بس لسه ما بقاش واحد منهم بالكامل.
نظرت إليه بارتباك.
ـ إنت هتأذيني؟ ابتسم بحزن غريب.
ـ لا يا ليان. أنا آخر واحد ممكن يأذيكي.
في تلك اللحظة…
فتح الباب. دخل رجل آخر مقنع.
وقال بحدة: ـ كفاية كلام. المعلم عايز البنت تتحرك.
نظر الرجل الكبير إليه بغضب.
ـ قولت محدش يقرب منها. ـ الأوامر اتغيرت.
ـ أوامر مين؟ اقترب المقنع.
ـ أوامر الحديدي الكبير.
تجمد الرجل الكبير. أما ليان…
فلم تفهم أن الاسم الذي قيل الآن سيفتح أبواب الجحيم.
في المستشفى… دخل سليم غرفة هالة.
كانت مستيقظة بصعوبة.
بمجرد أن رأته، حاولت النهوض.
ـ ليان؟
لم يستطع الكذب. ـ خطفوها.
صرخت صرخة مكتومة. ـ لا… لا… قلتلك خدها واهرب!
ـ مين أخدها يا هالة؟
كانت ترتجف. ـ هو رجع…
ـ مين؟ ـ والدك.
توقف الزمن.
نظر إليها سليم كأنه لم يسمع جيدًا. ـ والدي قاعد في القصر. مريض. ما بيخرجش من أوضته.
ضحكت هالة بمرارة وسط دموعها. ـ أبوك عمره ما كان مريض يا سليم.
ـ إنتِ بتقولي إيه؟
ـ المرض كان تمثيلية عشان محدش يشك إنه لسه بيحرك كل حاجة. اقترب سليم.
ـ والدي قتل عمر؟ أغمضت عينيها.
نزلت دمعة على خدها.
ـ أبوك أمر بقتله… بس عمر هرب. ـ هرب فين؟
ـ معرفش. ـ يعني عمر عايش؟
فتحت عينيها ونظرت إليه.
ـ آخر مرة شفته فيها… كان عايش. شعر سليم أن صدره سينفجر.
ـ إمتى؟ ـ من ست سنين.
ـ وليه ما رجعش؟
ـ عشان كان عارف إن رجوعه هيقتل ليان. صمتت لحظة.
ثم قالت: ـ عمر كان معاه ملفات تثبت إن والدك وناس من مجلس الإدارة استخدموا شركات الحديدي في غسيل أموال وتهريب سلاح وصفقات دم. لما حاول يفضحهم، قرروا يمحوه. هو سلّمني ليان وقاللي: اهربي. لو حصل حاجة، سليم هو الوحيد اللي ممكن يتغير.
كان سليم يسمع وكأنه غارق.
كل شيء في حياته كان يتفتت. والده.
الشركة. القصر.
اسم الحديدي.
كلها لم تكن قوة. كانت جريمة طويلة ترتدي بدلة أنيقة.
سأل بصوت مبحوح: ـ وليه ما جيتيش بدري؟
ـ لأنهم كانوا مراقبيني.
ـ ومين الراجل اللي كتب العنوان؟ ـ عمر.
توقف سليم. ـ عمر كتب العنوان؟
هزت رأسها.
ـ جالي من أسبوع. بعد محاولة اغتيالك بيوم. قال إن الوقت خلص. وإنهم هيقتلوا ليان لو ما وصلتلكش. ـ عمر فين دلوقتي؟
نظرت إليه برعب. ـ ما أعرفش.
ثم أمسكت يده فجأة.
ـ سليم… أبوك مش عايز الفلاش بس. ـ أومال عايز إيه؟
ـ عايز ليان توقع. ـ طفلة توقع على إيه؟
قالت هالة بصوت ضعيف:
ـ على تنازل. ـ تنازل عن إيه؟
ـ عن ورث عمر. ساد صمت مرعب.
ثم أكملت:
ـ عمر كتب كل حصته باسم بنته.

