
تجمّد أخطر رجل أعمال في القاهرة عندما دخلت طفلة صغيرة إلى قصره وقالت: “ماما ما قدرتش تيجي النهارده”
كان من المفترض أن تموت الطفلة قبل أن تصل إلى البوابة الرئيسية للقصر.
كانت تلك أول فكرة خطرت في عقل سليم الحديدي عندما دوّى صوت جهاز الاتصال الداخلي وسط العاصفة. ـ يا فندم… في طفلة واقفة بره. وقف سليم في مكتبه بالطابق الثاني، يراقب المطر وهو يغسل حدائق قصره الضخم في التجمع الخامس.
وخلفه على المكتب الخشبي الداكن كان هناك شيئان لم يلمسهما طوال الليل:
فنجان قهوة بارد…
ومسدس أسود.
قبل سبعة أيام فقط…
وُضعت عبوة ناسفة أسفل سيارته المصفحة.
وقبل سبعة أيام فقط…
تحول مدخل القصر إلى حفرة من النار والدخان والحديد الملتوي. وقبل سبعة أيام فقط… اكتشف سليم الحديدي، الرجل الذي يخشاه الجميع في عالم المال والجريمة المنظمة، أن هناك شخصًا من دائرته المقربة يريد قتله. استدار ببطء وقال:
ـ أعد كلامك.
جاءه صوت موسى، مدير القصر: ـ طفلة يا فندم. صغيرة جدًا. بتقول إنها جاية بدل والدتها لمقابلة وظيفة عاملة النظافة. عقد سليم حاجبيه. ـ طفلة؟
ـ أيوه يا فندم. بتقول إن أمها تعبانة ومقدرتش تيجي.
ساد الصمت. كانت الكلمات بريئة أكثر مما ينبغي بالنسبة لرجل بنى حياته كلها على الشك. علّمه والده منذ الصغر ألا يثق بأي شخص يطرق بابه. وعلّمه أعداؤه أن الأطفال أنفسهم يمكن استخدامهم كطُعم.
لذلك قال دون تردد:
ـ فتشوها كويس. أتأكدوا إنها مش شايلة أي حاجة. وبعدين طلّعوها عندي. ـ حاضر يا فندم. بعد دقائق قليلة… فُتح باب المكتب.
ودخلت طفلة صغيرة جدًا.
كانت قصيرة لدرجة أن مقبض الباب النحاسي وصل تقريبًا إلى كتفها. شعرها البني مربوط في ذيل حصان مائل. وعيناها الرماديتان الواسعتان أكبر من وجهها النحيل. وحذاؤها القديم ترك آثار مياه صغيرة على أرضية المكتب اللامعة.
لكن الشيء الذي أوقف سليم تمامًا…
كان المريلة. مريلة تنظيف بيضاء تخص امرأة بالغة. ملفوفة ثلاث مرات حول خصرها الصغير. وفي يديها كانت تحمل ورقة مطوية بقوة كأنها تحمل مفتاح نجاتها الوحيد.
ساد الصمت في الغرفة.
وقف موسى بجوار الباب. بينما راقب الحراس المشهد بعدم ارتياح. حتى المطر بالخارج بدا وكأنه ينتظر ما سيحدث. نهض سليم من مقعده.
ابتلعت الطفلة ريقها.
ثم قالت بصوت مرتجف: ـ مساء الخير يا فندم. أنا اسمي ليان عبدالسلام. ماما تعبانة جدًا… فجيت بدلها.
في تلك اللحظة…
شعر سليم بشيء يتوقف داخله. رأى في حياته رجالًا أقوياء يرتجفون أمامه.
ورأى قتلة يتوسلون.
ورأى كاذبين ينهارون تحت نظرته.
لكن هذه الطفلة… لم تكن تكذب. كانت خائفة.
ورغم ذلك جاءت وحدها.
سألها بهدوء:
ـ جاية هنا ليه يا ليان؟
رفعت الورقة أمامه.
ـ عشان الوظيفة.
دي السيرة الذاتية بتاعة ماما.
هي كانت بتعيط لأنها مش قادرة تقوم من السرير. فلبست المريلة بتاعتها عشان تعرف إني جاية بجد. اختفى الهواء من الغرفة. اقترب سليم دون أن يشعر.
ثم وجد نفسه جاثيًا على ركبته أمامها.
لأول مرة منذ سنوات… كان يتحدث إلى شخص على مستوى عينيه. ـ جيتي لوحدك؟ شدّت على الورقة أكثر.
وقالت بصوت خافت:
ـ ركبت أتوبيس الأول. وبعدين مشيت. والراجل اللي على البوابة مرضيش يدخلني. بس قلتله إن ماما محتاجة الشغل.
وإني ممكن أجاوب على أي سؤال.
خفض موسى رأسه. أما سليم… فشعر بشيء قديم يتحرك في صدره. شيء ظن أنه مات منذ سنوات.
لم يكن تعاطفًا.
بل كان شيئًا أخطر. التعرّف. لأن الطفلة الواقفة أمامه لم تكن فخًا. لم تكن تحمل سلاحًا.
ولم تكن جزءًا من مؤامرة.
كانت فقط طفلة صغيرة اضطرتها الحياة أن تتحمل مسؤوليات أكبر من عمرها. نظر إلى الورقة. ـ ممكن أشوفها؟ ترددت ليان للحظة.
ثم أعطتها له.
كانت الورقة مبتلة من الأطراف. وكأنها فُتحت وأُغلقت عشرات المرات قبل أن تملك صاحبتها الشجاعة لإرسالها. قرأ الاسم المكتوب أعلى الصفحة: هالة عبدالسلام.
عاملة نظافة.
خبرة خمس سنوات. مراجع. ورقم هاتف. لكن أسفل الصفحة…
كانت هناك ملاحظة غريبة.
قرأها سليم مرة. ثم أعاد قراءتها. شدّت أصابعه على الورقة. لاحظ موسى ذلك فورًا.
سألت ليان بخوف:
ـ ماما هتاخد الشغل يا فندم؟ رفع سليم عينيه إليها ببطء. ـ يا ليان… مين اللي كتب العنوان ده لمامتك؟
رمشت الطفلة.
ـ راجل. تجمّد الجميع. أغلق سليم قبضته على الورقة. ـ مين الراجل ده؟
ـ معرفش اسمه.
قال لماما لو راحت المكان ده… كل مشاكلها هتتحل. ارتفع صوت المطر على النوافذ. وقف سليم فجأة. واعتدل جميع الحراس في أماكنهم.
ـ قالك اسمه؟
هزت رأسها. ـ لا. بس ادانا الورقة. وقال إن حضرتك هتساعدها.
نظر سليم إلى الملاحظة مجددًا.
الخط لم يكن خط هالة. لكنه لم يكن غريبًا عليه. كان يعرف هذا الخط جيدًا. طريقة كتابة الحروف.
والضغط القوي على الكلمات.
ذكرى قديمة مرت في عقله كالشبح. وقبل أن يتكلم… ظهر أحد الحراس عند الباب ووجهه شاحب. ـ يا فندم…
لقينا حاجة في جيب البالطو بتاع الطفلة.
تحول وجه ليان إلى اللون الأبيض. ـ والله ما سرقت حاجة… أقسم بالله. تغيّرت ملامح سليم فورًا.
ـ لقيتوا إيه؟
دخل الحارس وأخرج كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا.
أخذه سليم.
كان خفيفًا جدًا.
أخف من أن يكون سلاحًا. لكن وجوده لم يكن صدفة. فتح الكيس.
فوجد مفتاحًا فضيًا صغيرًا.
وقصاصة ورق.
عليها ثلاث كلمات فقط.
نظر إليها.
ثم شحب وجهه.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
رأى موسى الخوف في عيني سليم الحديدي. ليس خوفًا على نفسه. بل خوفًا على الطفلة الواقفة أمامه. لأن الشخص الذي أرسل ليان إلى قصر الحديدي…
لم يرسلها من أجل وظيفة.
بل أرسلها حاملة رسالة. رسالة تحذير. وكانت تحمل اسم المرأة الوحيدة التي فشل سليم الحديدي في إنقاذها يومًا.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد الفصل الأول: الرسالة التي جاءت مع العاصفة
ظل سليم الحديدي واقفًا في منتصف مكتبه ممسكًا بالقصاصة الصغيرة. كانت الكلمات الثلاث المكتوبة عليها كافية لتجعل الدم يتجمد في عروقه:
“أنقذ ابنتها أولًا.”
ساد صمت ثقيل داخل المكتب. حتى الحراس الذين اعتادوا رؤية أخطر المواقف شعروا أن شيئًا غير طبيعي يحدث.
أما ليان فكانت تنظر بين الوجوه بخوف، لا تفهم سبب تغير ملامح الجميع فجأة. رفع سليم عينيه ببطء نحو الطفلة.
ثم سألها بصوت منخفض:
ـ ليان… إمتى آخر مرة شفتي مامتك؟ ابتلعت ريقها.
ـ الصبح. ـ كانت كويسة؟
هزت رأسها بتردد.
ـ لا. ـ يعني إيه لا؟
بدأت عيناها تمتلئان بالدموع. ـ كانت سخنة جدًا… ومش قادرة تقوم.
حاولت تخبي التعب عني.
بس أنا سمعتها وهي بتعيط بالليل. شعر سليم بانقباض في صدره.
نظر إلى موسى. ـ هاتلي العربية.
فورًا.
تجمد الرجل. ـ دلوقتي يا فندم؟
ـ حالًا. نظر الحراس لبعضهم.
أحدهم اقترب وقال:
ـ حضرتك ناسي إن الأمن حذر من أي تحرك بعد محاولة الاغتيال؟ رفع سليم رأسه نحوه.
كانت نظرة واحدة كافية ليسكت. بعد ثوانٍ قليلة كان الجميع يتحرك.
لكن قبل أن يغادر المكتب التفت إلى ليان.
ـ هتيجي معايا. اتسعت عيناها.
ـ بجد؟ ـ أيوه.
ـ يعني ماما هتاخد الشغل؟
لأول مرة منذ سنوات طويلة… ابتسم سليم الحديدي.
ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت. ـ الأول نطمن عليها.
ثم نشوف الشغل.
— بعد نصف ساعة…
كانت السيارة السوداء المصفحة تشق شوارع القاهرة الغارقة بالمطر.

