اخط-ر رجل في القاهره حكـايـات أسمـا ×5

م إلى سليم.   وقال:  

ـ ليان.

 

ساد الصمت.

 

هذه المرة كان الصمت أثقل من كل ما سبقه.

 

—   في تلك اللحظة…  

في القاهرة…

  كانت ليان نائمة في غرفتها.   تحتضن الدمية التي اشتراها لها سليم.

 

والقصر هادئ.   والحراس منتشرون.  

وكل شيء يبدو آمنًا.

  لكن خارج الأسوار…   كانت سيارة سوداء متوقفة منذ ساعات.

 

بداخلها رجل يراقب النوافذ.   أخرج صورة قديمة.  

صورة ليان.

  ثم همس:   ـ أخيرًا لقيتك.

 

رفع هاتفه.   وقال للطرف الآخر:  

ـ الهدف مؤكد.

  ثم أغلق الخط.   وابتسم.

 

بينما كانت أضواء القصر تلمع في الظلام.   غير مدركة أن الخطر عاد من جديد.  

وأنه هذه المرة…

  أقرب بكثير مما يتخيل الجميع. الفصل الأخير: البيت الذي نجا  

ظل سليم وعمر في أسوان حتى الفجر.

  لم ينم أحد.   كان نادر الشامي يفرغ كل الأسرار التي حملها فوق كتفيه لعشر سنوات.

 

أسماء.   حسابات.  

مخازن.

  شركات وهمية.   وشخص واحد يتكرر في كل ملف.

 

سامي الكيلاني.   الرجل الذي اختفى خلف الستار بينما كان الجميع يطاردون جلال الحديدي.  

وعندما انتهى نادر من الكلام…

  قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع:   ـ سامي مش عايز فلوس.

 

ـ أمال عايز إيه؟   سأل سليم.  

تنهد نادر.

  ثم قال:   ـ عايز ينتقم.

 

ـ من مين؟   ـ من عيلة الحديدي كلها.  

—

  قبل ثلاثين سنة…   كان سامي الكيلاني شريكًا مؤسسًا لجلال الحديدي.

 

بدأ الرجلان من الصفر.   عملا معًا.  

وحلما معًا.

  وبنيا أول شركة معًا.   لكن عندما بدأت الملايين تتدفق…

 

خان جلال شريكه.   زوّر العقود.  

واستولى على الحصص.

  ودفع سامي إلى السجن بتهمة ملفقة.   خرج سامي بعد سنوات.

 

خسر زوجته.   وخسر ابنه.  

وخسر حياته.

  لكنه لم ينسَ.   أبدًا.

 

وبدأ يبني انتقامه ببطء.   سنوات طويلة من التخطيط.  

حتى أصبح أخطر من الرجل الذي خانه.

  قال نادر:   ـ كان عايز يدمر جلال.

 

لكن بعد ما مات جلال…   بقي عايز يدمر الاسم نفسه.  

اسم الحديدي.

  —   قفز سليم واقفًا.

 

ـ لازم نرجع القاهرة حالًا.   هز عمر رأسه.  

ـ ليان.

  ـ أيوه. هو رايح ليان.

 

—   بعد ساعات…

 

كانت الطائرة الخاصة تهبط في القاهرة.

 

أما في القصر…

 

فكانت ليان تجلس في الحديقة مع هالة.

  ترسم.   وتضحك.

 

وتعيش لأول مرة طفولة حقيقية.   قالت هالة مبتسمة:  

ـ عارفة إنك بقيتي مشهورة؟

  ضحكت ليان.   ـ ليه؟

 

ـ عشان خلتِ كل الرجالة دول يجروا وراكي.   ابتسمت الصغيرة.  

ثم توقفت فجأة.

  ونظرت إلى البوابة.   شعرت بشيء غريب.

 

كما لو أن أحدًا يراقبها.   لكنها لم تر شيئًا.  

—

  في نفس اللحظة…   كان سامي الكيلاني يقف داخل منزل مهجور يطل على القصر من بعيد.

 

أمامه عشرات الشاشات.   وصور قديمة.  

وصورة كبيرة لجلال الحديدي.

  مطعون فيها بسكين.   نظر إلى صورة ليان.

 

وقال بهدوء:   ـ لو كانت اتولدت في أي عيلة تانية… كانت عاشت سعيدة.  

ثم أغلق الملف.

  واستعد للتحرك.   —

 

وصل سليم إلى القصر قبل الغروب.   ركض مباشرة نحو الحديقة.  

وحين رأى ليان بخير…

  تنفس لأول مرة منذ ساعات.   ركضت نحوه الصغيرة.

 

ـ عمو سليم!   حملها بين ذراعيه.  

وضمها بقوة.

  فضحكت:   ـ إنت بتخنقني.

 

ضحك رغم كل شيء.   لكن عينيه بقيتا تبحثان حوله.  

الخطر ما زال قريبًا.

  وكان يشعر بذلك.   —

 

في تلك الليلة…   اجتمع الجميع داخل القصر.  

سليم.

  عمر.   هالة.

 

موسى.   ونادر.  

كانت الخريطة الكبيرة أمامهم.

  والصور موزعة على الطاولة.   قال نادر:

 

ـ سامي هيهاجم خلال 48 ساعة.   ـ متأكد؟  

ـ أكتر من متأكد.

  ـ ليه؟   ـ لأنه مريض.

 

ولما المريض يوصل للنهاية… بيستعجل.   ساد الصمت.  

ثم قال عمر:

  ـ يبقى نستناه.   ابتسم سليم.

 

ـ وأنا تعبت من الجري أصلًا.   —  

جاءت الليلة التالية.

  هادئة بشكل مخيف.   أكثر هدوءًا من اللازم.

 

وذلك وحده كان إنذارًا.   في الساعة الثانية بعد منتصف الليل…  

انطفأت الأنوار.

  كلها.   مرة واحدة.

 

وقف الحراس في أماكنهم.   وانطلقت أجهزة الإنذار.  

ثم بدأ الهجوم.

  —   سيارات سوداء اقتحمت البوابات.

 

رجال مسلحون.   دخان.  

رصاص.

  وأصوات انفجارات.   لكن هذه المرة…

لم يكن القصر نائمًا.

 

كان مستعدًا.   تحولت الحدائق إلى ساحة معركة.

 

وتحرك رجال سليم بسرعة.

 

بينما تم نقل ليان وهالة إلى غرفة آمنة.

 

لكن ليان كانت تبكي.

  ـ عايزة بابا.   ـ بابا بخير.

 

قالت هالة.   ـ وعمو سليم؟  

ـ بخير.

  لكن الحقيقة أن أحدًا لم يكن يعرف ماذا سيحدث.   —

 

في الخارج…   كان سليم يقاتل بجوار عمر.  

ظهرًا لظهر.

  كما كانا يفعلان وهما طفلان عندما يتشاجران مع أولاد الحي.   صرخ عمر:

 

ـ فاكر لما كسرنا عربية عم عبدو؟   ضحك سليم وسط الرصاص.  

ـ ده وقت ذكريات؟

  ـ يمكن آخر فرصة.   ـ اسكت وخليك مركز.

 

—   ثم…  

توقف إطلاق النار فجأة.

  بشكل مفاجئ.   مرعب.

 

وخرج سامي الكيلاني من الظلام.   وحيدًا.  

دون حراس.

  دون سلاح ظاهر.   تقدم ببطء نحو القصر.

 

حتى أصبح أمام سليم مباشرة.   نظر إليه طويلًا.  

ثم قال:

  ـ شبه أبوك.   رد سليم:

 

ـ وأنا بكره ده.   ابتسم سامي.  

ـ أول حاجة عجبتني فيك.

  —   ساد الصمت.

 

ثم قال سامي:   ـ تعرف إيه الفرق بيني وبين أبوك؟  

ـ إيه؟

  ـ هو سرق حياتي عشان يعيش.   وأنا ضيعت حياتي كلها عشان أنتقم.

 

ضحك بمرارة.   ـ وفي الآخر الاتنين خسرنا.  

نظر إلى عمر.

  ثم إلى سليم.   ثم إلى القصر.

 

وسأل:   ـ تستاهل؟  

لم يرد أحد.

  لأن السؤال لم يكن عن القصر.   كان عن كل السنوات التي ضاعت.

 

—   أخرج سامي مسدسًا ببطء.  

فاستعد الجميع.

  لكن المفاجأة…   أنه وجهه نحو نفسه.

 

اتسعت عينا سليم.   ـ سامي!  

ابتسم الرجل العجوز.

  ـ خلاص.   انتهت.

 

ـ ارمي السلاح.   ـ تعبت.  

ـ لسه في محاكمة.

  ضحك سامي.   ـ أنا اتحاكمت كل يوم من تلاتين سنة.

 

ثم نظر إلى السماء.   وهمس:  

ـ آسف يا ابني.

  وضغط الزناد.   —

 

ساد الصمت.   سقط سامي على الأرض.  

وانتهت الحرب.

  ليس بانتصار أحد.   بل بانتهاء آخر رجل كان يحملها داخله.

 

—   مرت الشهور.  

ثم السنوات.

  وتغيرت أشياء كثيرة.   اختفت قضايا.

 

وأغلقت ملفات.   وبدأت حياة جديدة.  

—

  أصبح عمر مديرًا لمؤسسة خيرية كبيرة تحمل اسم والدته. وتفرغ لمساعدة الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم.   أما هالة…  

فعادت للدراسة.

 

وأكملت تعليمها الذي حرمها منه الخوف.

 

أما موسى…

 

فبقي في القصر.   لكنه قضى بقية عمره يحاول إصلاح أخطائه القديمة.  

وقد سامحه عمر في النهاية.

  —   أما سليم الحديدي…

 

فلم يعد أخطر رجل أعمال في القاهرة.   ولم يعد يريد أن يكون.  

باع معظم إمبراطوريته.

  وحوّل جزءًا كبيرًا منها إلى مدارس ومستشفيات ومشروعات خيرية.   عندما سأله أحد الصحفيين يومًا:

 

ـ نادم؟   ابتسم وقال:  

ـ على حاجات كتير.

  ـ وأكبر ندم؟   نظر بعيدًا.

 

ثم أجاب:   ـ إني استنيت كل السنين دي عشان أتعلم إن القوة مش أهم حاجة.  

—

  وفي صباح مشمس بعد ثلاث سنوات…   كانت ليان تركض في حديقة القصر.

 

لم تعد تلك الطفلة الخائفة التي جاءت بمريلة أمها تطلب وظيفة.   كبرت.  

وصارت تضحك كثيرًا.

  وتحلم أكثر.   وكانت تحمل في يدها شهادة تفوق مدرسية.

 

تركض وهي تصرخ:   ـ عمو سليم!  

خرج سليم من البيت.

  فلوحت له بالشهادة.   ـ طلعت الأولى!

 

حملها بين ذراعيه.   ودار بها وسط الحديقة.  

فضحكت بصوت عالٍ.

  ثم سألت فجأة:   ـ عمو؟

 

ـ نعم؟   ـ لو أنا ما كنتش جيت القصر اليوم ده… كان إيه اللي حصل؟  

نظر سليم إلى عمر.

  ثم إلى هالة.   ثم إلى البيت الذي نجا بعد كل العواصف.

 

وقال مبتسمًا:   ـ كان زماننا كلنا تايهين.  

ابتسمت ليان.

  ثم احتضنته.   وفي تلك اللحظة…

 

عرف سليم الحديدي أن أعظم شيء كسبه في حياته كلها…   لم يكن شركة.  

ولا مالًا.

  ولا سلطة.   بل طفلة صغيرة دخلت قصره يومًا وقالت:

 

“ماما ما قدرتش تيجي النهارده.”   ومن يومها…  

تغير كل شيء.

  تمت النهاية.  

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0