
أما داليا…
فاضطرت أخيرًا إلى البحث عن عمل.
وظيفة حقيقية.
بمرتب حقيقي.
واكتشفت أن الحياة التي كانت تراها سهلة على سلمى…
لم تكن سهلة أبدًا.
—
وفي أحد الأيام، بينما كانت سلمى ترتب بعض الأوراق القديمة داخل الشقة…
سقط صندوق صغير من أعلى الخزانة.
لم تكن قد رأته من قبل.
فتحته بفضول.
فوجدت بداخله ظرفًا.
عليه اسمها.
بخط يد والد كريم.
ارتجفت أصابعها.
وفتحته ببطء.
كانت هناك رسالة قصيرة.
“إذا وصلتِ إلى هنا يا سلمى…
فأرجو أن تكوني قد اخترتِ نفسك أخيرًا.”
امتلأت عيناها بالدموع.
وأكملت القراءة.
“لا أعرف إن كنتِ ستسامحين ابني أم لا.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
المرأة التي تضحي بكل شيء من أجل الآخرين…
تستحق يومًا أن يختارها أحد من أجل نفسها.”
سكتت للحظات.
ثم قرأت السطر الأخير.
“وإذا لم يفعل أحد…
فاختاري أنتِ نفسك.”
أغلقت الرسالة.
وضمتها إلى صدرها.
وبكت.
لكنها كانت أول دموع مريحة تبكيها منذ سنوات.
—
مر عام كامل.
ثم عام آخر.
وتغيرت أشياء كثيرة.
كبر الاستثمار الذي أصبح باسمها.
وترقت في عملها إلى منصب أعلى.
واشترت سيارة جديدة.
وسافرت للمرة الأولى في حياتها إلى بلد كانت تحلم بزيارته منذ طفولتها.
لكن أجمل شيء حدث…
لم يكن أيًا من ذلك.
—
في مساء ربيعي هادئ.
كانت تجلس في معرض للكتاب.
تتصفح رواية جديدة.
عندما سقط كتاب من يد شخص يقف بجوارها.
انحنت لالتقاطه في اللحظة نفسها التي انحنى فيها صاحبه.
فضحكا معًا.
ورفعت رأسها.
لتجد رجلًا أربعينيًا أنيقًا.
هادئ الملامح.
يحمل نظرة دافئة لم ترها منذ زمن طويل.
قال مبتسمًا:
— واضح إن الكتاب اختارك قبلي.
ضحكت سلمى.
ضحكة حقيقية هذه المرة.
ومن دون أن تعرف لماذا…
شعرت أن قلبها لم يعد خائفًا كما كان.
—
بعد أشهر طويلة من التعارف…
جلس الرجل أمامها في أحد المطاعم.
ثم قال:
— في حاجة عايز أقولهالك.
ابتسمت.
— اتفضل.
أخذ نفسًا عميقًا.
وقال:
— أنا مش عايز حد يصرف عليّ.
ولا ينقذني.
ولا يحل مشاكلي.
أنا بس عايز شريكة أمشي معاها في نفس الطريق.
شعرت بشيء دافئ يملأ قلبها.
لأنها أدركت أن الفرق بين الحب الحقيقي والاستغلال…
أن الأول يمنحك مساحة لتكوني نفسك.
أما الثاني…
فيطلب منك أن تختفي.
—
وفي ليلة هادئة بعد سنوات من تلك الإهانة القديمة…
وقفت سلمى في مطبخ منزلها الجديد.
تعد عشاءً بسيطًا.
برغبتها.
ولمن تحب.
ثم نظرت إلى المائدة.
وابتسمت.
لأنها تذكرت تلك الليلة البعيدة.
ليلة الطبق البارد.
وبقايا الطعام.
والكلمات الجارحة.
وأدركت أن ما كسرها يومًا…
كان بداية إنقاذها.
فبعض الأبواب لا تُغلق لتؤذيك.
بل لتدفعك نحو حياة أفضل.
وحين أطفأت الأنوار قبل النوم…
لم تشعر بالوحدة.
ولم تشعر بالخوف.
بل شعرت بشيء افتقدته طويلًا.
السلام.
تمت.

