
وسيكشف نفسه خلال الأيام القادمة بطريقة لم يتوقعها أحد… الفصل الرابع في صباح اليوم التالي، لم يخرج أحد من غرفته مبكرًا.
كانت الشقة غارقة في توتر ثقيل.
الحاجة فاطمة لا تكف عن التمتمة والدعاء على “قلة الأصل” كما كانت تسمي سلمى.
وداليا تبكي تارة وتصرخ تارة أخرى لأنها بدأت تدرك أن أيام المصروف المفتوح انتهت.
أما كريم… فلم ينم تقريبًا.
كان يعرف أن اكتشاف التحويلات البنكية ليس نهاية المشكلة. بل بدايتها.
جلس على حافة السرير ينظر إلى سلمى التي كانت ترتدي ملابسها استعدادًا للخروج.
قال بصوت خافت: — ممكن نتكلم؟
أغلقت زر معطفها. — مفيش كلام بينا دلوقتي.
— أنا غلطت.
— دي أول جملة صادقة أسمعها منك من سنين. خفض رأسه.
لكنها لم تتوقف. — كنت بتسرقني يا كريم.
— لا… مش سرقة.
ضحكت بمرارة. — آه طبعًا… تحويل مئات الآلاف من حسابي من غير علمي اسمه حب أكيد.
لم يجد ردًا. —
عند الواحدة ظهرًا تقريبًا، وبينما كانت سلمى تعمل في مكتبها، رن هاتفها.
رقم مجهول. ترددت للحظة ثم أجابت.
— ألو؟ جاءها صوت امرأة مسنة.
— حضرتك مدام سلمى عبد الرحمن؟
— أيوه. — أنا محتاجة أقابلك ضروري.
— مين معايا؟ ساد صمت قصير.
ثم قالت المرأة:
— أنا أم محمد الشناوي. تجمدت يد سلمى.
محمد الشناوي. الاسم نفسه الذي كانت الأموال تتحول إليه.
شعرت بقلبها يدق بعنف.
— حضرتك عايزة إيه؟ — عندي كلام لازم تعرفيه… لأن ضميري مبقاش مستحمل.
— في السادسة مساءً كانت سلمى تجلس داخل مقهى هادئ في مصر الجديدة.
ودخلت امرأة في أواخر الستينات.
ملامحها مرهقة. وعيناها ممتلئتان بالحزن.
جلست أمامها وأخرجت ظرفًا بني اللون. ثم دفعته نحوها.
— افتحيه.
فتحت سلمى الظرف. وفي اللحظة التالية شعرت بالأرض تهتز تحت قدميها.
كانت هناك صور. صور قديمة.
وصور حديثة.
وصور لكريم. ومعه امرأة أخرى.
وأطفال. رفعت رأسها بصدمة.
— مين دول؟
أغمضت المرأة عينيها. — أحفادي.
— إزاي؟ خرجت الكلمات بصعوبة.
— كريم… متجوز بنتي من سبع سنين.
شعرت سلمى وكأن الهواء اختفى من المكان.
إيه؟!
— بنتي اسمها هناء.
وكريم متجوزها بعقد رسمي.
وعندهم طفلين.
ظلت سلمى تحدق فيها غير مصدقة.
— مستحيل. — كنت فاكرة إنه هيطلقها ويتجوزك فترة بسيطة عشان فلوسك تساعده في مشروعه.
لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
سقطت الكلمات فوق رأس سلمى كالحجارة. — إنتِ بتقولي إيه؟
أخرجت المرأة ورقة أخرى. عقد زواج رسمي.
مختوم.
ومؤرخ قبل زواج سلمى بستة أشهر. ارتجفت أصابعها.
وقرأت الاسم. كريم محمود السعيد.
وهناء محمد الشناوي.
عقد صحيح. رسمي.
وقانوني. شعرت بالغثيان.
فإذا كان هذا العقد صحيحًا…
فمعنى ذلك أن كريم تزوجها وهو يخفي زواجه الأول. ومعنى ذلك أيضًا…
أن كل حياتها كانت قائمة على كذبة. —
عادت إلى الشقة بعد ساعتين.
كانت ملامحها هادئة بشكل مرعب. جلس الجميع في الصالة.
وعندما دخلت نظروا إليها باستغراب. ألقت الظرف فوق الطاولة.
تناثرت الصور.
وفي ثانية واحدة اختفى اللون من وجه كريم. أما الحاجة فاطمة…
فأغلقت عينيها. كأنها كانت تعرف.
وهنا فهمت سلمى كل شيء.
التفتت إليها ببطء. — كنتِ عارفة؟
لم ترد. لكن صمتها كان إجابة كاملة.
صرخت سلمى لأول مرة منذ سنوات.
— كنتِ عارفة؟! همست الحاجة فاطمة:
— كان بيحبك. ضحكت سلمى.
ضحكة موجوعة جعلت الجميع يصمت.
— بيحبني؟ بيحبني لدرجة إنه استخدمني أصرف على بيته التاني؟
بيحبني لدرجة إنه خلاني أربي عيلته كلها وأنا مش عارفة؟ نظر كريم إلى الأرض.
ولم يجرؤ على رفع عينيه.
— وفي تلك الليلة…
لم تطرد سلمى أحدًا. ولم تصرخ.
ولم تكسر شيئًا.
بل فعلت ما كان أكثر رعبًا. جلست أمام الكمبيوتر المحمول.
واتصلت بمحامٍ شهير كانت الشركة تتعامل معه منذ سنوات. ثم أرسلت له كل شيء.
الصور.
العقود. كشوف الحسابات.
والتحويلات البنكية. وبعد أقل من ساعة جاءها رده.
“مدام سلمى… عندك قضية قوية جدًا.”
أغلقت الحاسوب. ثم نظرت إلى باب الغرفة المغلق.
وعرفت أن ما سيأتي لن يكون مجرد طلاق. بل معركة كاملة.
معركة سيخسر فيها كريم أكثر مما يتخيل.
لكن المفاجأة الأكبر…
كانت تنتظر الجميع بعد ثلاثة أيام فقط.
عندما وصل إلى الشقة شخص لم يكن كريم يتمنى رؤيته طوال حياته.
شخص يحمل ملفًا أسود…
وسرًا أخفاه كريم خمسة عشر عامًا كاملة.
سرًا سيجعل حتى الحاجة فاطمة تعجز عن الكلام.

