
في أقل من خمس دقايق، كانت ساحة البيت الكبير مليانة رجال ونسو-ان.
الكل بيهمس، والعيون كلها متعلقة بالبنت اللي واقفة شايلة طفل صغير، وبالورقة اللي في إيد عمران.
داليدا كانت واقفة وراه، إيديها بتترعش، وقلبها بيدق بعنف.
كل المخاوف القديمة رجعت مرة واحدة.
يمكن فعلًا كل اللي سمعته عنه كان حقيقي!
رفعت عينيها عليه، لقت ملامحه ثابتة بشكل غريب، وكأنه مش متفاجئ.
مد الورقة لأبوه وقال بهدوء:
“بص عليها.”
أبوه أخدها، وقعد يقلب فيها.
بعد ثواني عقد حواجبه وقال:
“الإمضا شبه إمضتك.”
الناس بدأت تتكلم بصوت أعلى.
واحد قال:
“يبقى البت عندها حق.”
والتاني رد:
“حرام البنية الجديدة.”
أما أم عمران، فكان على وشها ابتسامة خفية، كأنها مستنية اللحظة دي من زمان.
داليدا حست إنها هتقع.
لكن عمران رفع صوته لأول مرة:
“اسكتوا.”
ساد الصمت.
لف للبنت وقال:
“اسمك إيه؟”
ردت بسرعة:
“رحمة.”
“ومنين؟”
“من المنيا.”
“وإحنا اتجوزنا إمتى؟”
قالت تاريخًا قديمًا.
هز رأسه وقال:
“غريبة.”
وسحب موبايله.
فتح تطبيق الصور، وطلع صورة ليه في اليوم نفسه، وهو واقف في مؤتمر طبي بالقاهرة وسط عشرات الدكاترة.
وبعدها طلع شهادة حضور بتاريخ اليوم نفسه.
الهمهمة زادت.
رحمة اتلخبطت.
قالها بهدوء:
“كملي.”
قالت:
“يمكن اليوم اللي بعده.”
ابتسم.
“طب الفندق اللي نزلنا فيه اسمه إيه؟”
سكتت.
بدأ العرق يظهر على جبينها.
عمران بص للناس وقال:
“دي أول مرة أشوفها.”
وفجأة، طلع شيخ كبير من آخر الصفوف وقال:
“أنا أعرف البت دي.”
الكل بصله.
قال:
“دي بنت واحد نصاب، وكان بيزور أوراق وأختام.”
اتغير لون وش رحمة.
لكنها صرخت:
“أنا مظلومة.”
في اللحظة دي، طفلها الصغير بدأ يعيط.
عمران قرب منه، وشاله بهدوء.
بص في وشه دقيقة كاملة.
وبعدين بص للبنت.
وقال:
“الولد مريض.”
اتوترت.
“إيه؟”
رد:
“عنده مشكلة في القلب، ولازم عملية بسرعة.”
سكتت.
بدأت تبكي.
وقعدت على الأرض وهي منهارة.
“أنا آسفة.”
الكل اتصدم.
قالت وسط دموعها:
“أبويا أجبرني.”
سألها عمران:
“على إيه؟”
قالت:
“قال لو أثبتنا إنك أبو الولد هنأخد منك ملايين.”
سكت الناس كلهم.
أما داليدا فبصت لعمران وهي مش مصدقة.
رحمة كملت:
“أنا أرملة… وابني بيموت… وأبويا استغل ضعفي.”
أبوها حاول يهرب.
لكن رجال العيلة مسكوه.
ولأول مرة، عمران قرب من رحمة وقال:
“أنا هعالج ابنك على حسابي.”
رفعت رأسها بصدمة.
“رغم اللي عملته؟”
ابتسم بهدوء:
“الطفل ملوش ذنب.”
الكلمة دي خلت كل الموجودين يسكتوا.
حتى داليدا دموعها نزلت.
وفي نفس الليلة، نقل عمران الطفل للمستشفى.
وأجرى له كل الفحوصات بنفسه.
وبعد أسبوع، نجحت العملية.
رجعت رحمة وهي شايلة ابنها، ووقفت قدام بيت العيلة كلها.
وقالت بصوت عالي:
“الدكتور عمران أشرف من أي راجل شوفته في حياتي.”
وبكت وهي بتطلب السماح.
سامحها عمران، لكنه سلّم أبوها للشرطة بعد ما ثبت تزويره للأوراق والنصب على ناس كتير.
مرت الشهور.
وحياة داليدا بدأت تستقر.
وبدأت تحب الراجل اللي كانت بتخاف منه.
لكن القدر كان مخبي لهم اختبارًا أصعب.
في ليلة شتوية، سمعوا صوت إطلاق نار قدام البيت.
خرج عمران بسرعة.
ولقى رجال ملثمين بيحاولوا يخطفوا طفل أخوه الصغير.
من غير تفكير، جرى ناحيتهم.
وحصل اشتباك عنيف.
وفي وسط الفوضى، دوّى صوت رصاصة.
وقعت داليدا على الأرض وهي بتصرخ باسمه.
ولما جريت ناحيته، لقيته واقع وسط التراب، والدم بينزل من كتفه، لكنه كان لسه حاضن الطفل بإيده، وبيبتسم ابتسامة مطمنة وهو بيهمس:
“المهم… محدش يلمس ولاد العيلة.”
وانتهت الليلة، لكن الحرب الحقيقية كانت لسه ما بدأتش.
داليدا ارتمت على الأرض جنب عمران وهي بتصرخ:
“حد يلحقه… عمران بيموت!”
رجال العيلة جروا بسرعة، والملثمين هربوا وسط الزراعات بعد ما فشلوا في خطف الطفل.
اتنقل عمران للمستشفى، وكانت الرصاصة مستقرة في كتفه، قريبة جدًا من شريان مهم.
وقف الدكتور الجراح قدام العيلة وقال:
“العملية صعبة… لكن إن شاء الله خير.”
كانت أول مرة تشوفه ضعيف بالشكل ده.
الراجل اللي كانت كل البلد تخاف منه، نايم على سرير أبيض، وعينيه مقفولة، وأجهزة المستشفى حواليه.
فضلت داليدا طول الليل قاعدة قدام غرفة العمليات، لا أكلت ولا شربت.
ولما خرج الدكتور بعد ساعات طويلة، ابتسم وقال:
“الحمد لله… العملية نجحت.”
وقعت داليدا على الكرسي من شدة الفرحة وهي تبكي.
بعد أيام، بدأ عمران يتعافى.
وأول ما فتح عينيه، لقاها قاعدة جنبه.
قال بصوت ضعيف:
“هربتي تاني؟”
ضحكت وسط دموعها لأول مرة.
وردت:
“المرة دي لو الدنيا كلها جريت، أنا اللي هفضل جنبك.”
ابتسم، وأمسك يدها في هدوء.
ومن اليوم ده، اتغيرت علاقتهم تمامًا.
اختفى الخوف، وبدأ الحب الحقيقي يكبر بينهم.
لكن سؤالًا واحدًا كان يشغل بال عمران:
مين اللي بعت الرجال دول؟
بدأ يبحث بنفسه.
وبعد أسابيع من السؤال والتحري، ظهرت الحقيقة.
كان وراء كل اللي حصل عمه الأكبر.
الراجل كان شايف إن عمران هيورث أغلب أملاك الجد، فقرر يتخلص منه، ويخلق مشاكل حواليه لحد ما يبعده عن العيلة.
وهو نفسه اللي دفع رحمة وأبوها يزوروا عقد الجواز، وهو اللي استأجر الملثمين لخطف الطفل وإشعال فتنة كبيرة داخل العائلة.
لما انكشف الأمر، اجتمع كبار العيلة.
وقف الجد الكبير وقال بغضب:
“اللي يخون دمه، ملوش مكان بينا.”
واتحرمت الأسرة دي من نصيبها في الميراث، وانقطعت علاقتها بباقي العيلة.
أما عمران، فرفض ينتقم.
وقال:
“الظلم عمره ما يتعالج بظلم أكبر.”
مرت سنتان.
ورجعت الحياة هادئة من جديد.
افتتح عمران مستشفى خيريًا صغيرًا يخدم أهل القرية مجانًا.
وداليدا بدأت تساعده في إدارة المكان، وتتعلم منه كل يوم.
وبعد انتظار طويل، رزقهما الله بطفلة جميلة.
لما حملها عمران بين إيديه، افتكر أول ليلة هربت فيها زوجته منه.
ضحك وقال:
“شايفة يا داليدا؟ لو كنتِ ما هربتيش، يمكن عمرنا ما كنا فهمنا بعض.”
ابتسمت وهي تضم الطفلة لصدرها:
“ولو ما قابلتكش تاني، كنت هفضل طول عمري مصدقة كلام الناس.”
هز رأسه وقال:
“الناس بتحكم بالمظاهر… لكن الحقيقة محتاجة قلب يشوفها.”
وفي يوم من أيام العيد، كانت ساحة البيت مليانة أطفال وضحك.
أم عمران، التي كانت سبب الخوف كله، اقتربت من داليدا بخجل.
وقالت:
“سامحيني يا بنتي… أنا كنت فاكرة إني بحافظ على اسم العيلة، لكني كنت بظلمك.”
احتضنتها داليدا وقالت:
“اللي فات مات.”
ومن يومها اختفت الخلافات، وعادت المودة بين الجميع.
أما داليدا، فكانت كلما نظرت إلى زوجها وهو يعالج مريضًا أو يلاعب طفلتهما، تبتسم في هدوء.
لقد هربت منه ليلة زفافها، وهي تظنه وحشًا لا يعرف الرحمة.
لكنها اكتشفت في النهاية أن الرجل الذي خافت منه أكثر من أي شيء، كان هو نفسه الشخص الذي أنقذها من خوفها، وحفظ كرامتها، ومنحها حياةً لم تكن تحلم بها.
تمت.

