اخط-ر رجل في القاهره حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني: ابنة الرجل الميت

 

تجمّد سليم الحديدي أمام الطبيبة.   ـ رسالة باسمي؟

 

هزّت الطبيبة رأسها بسرعة.

 

ـ أيوه. كانت ماسكاها في إيدها بقوة، والممرضة ما عرفتش تسحبها منها غير لما قالت اسم حضرتك.

 

نظر سليم إلى ليان.

  كانت الطفلة جالسة على كرسي في آخر الممر، ملفوفة بالبطانية، عيناها معلقتان بباب غرفة الطوارئ.   لا تبكي الآن.

 

وهذا أخافه أكثر.   الأطفال عندما يتوقفون عن البكاء في لحظة خوف حقيقي…  

يكونون قد تجاوزوا قدرتهم على الاحتمال.

  قال سليم بصوت منخفض:   ـ فين الرسالة؟

 

أخرجت الطبيبة ظرفًا أبيض صغيرًا من ملف المريضة.   كان الظرف مبللًا من الأطراف.  

وعليه اسم واحد مكتوب بخط مرتجف:

  سليم الحديدي.   مدّ يده وأخذه.

 

لكن قبل أن يفتحه…   سمع صوت ليان خلفه.  

ـ هي ماما هتموت؟

  التفت إليها.   كانت واقفة.

 

قدمها الحافية الصغيرة ظاهرة من تحت البطانية، وحذاؤها القديم في يدها.   اقترب منها ببطء.  

ـ لأ.

  قالها قبل أن يعرف إن كان يستطيع الوفاء بها.   ـ مامتك قوية.

 

ـ هي قالتلي كده برضه.   ـ قالتلك إيه؟  

رفعت عينيها إليه.

  ـ قالتلي: لو حصل لي حاجة، روحي للراجل اللي الناس كلها بتخاف منه… يمكن يخاف عليكي.   كأن الكلمات دخلت صدره كسكين.

 

سليم الحديدي، الرجل الذي خافه الجميع…   لم يكن يتوقع أن تطلب امرأة من طفلتها أن تلجأ إليه لأنها ظنت أنه ربما يستطيع أن يخاف عليها.  

ابتلع غضبه.

  ثم قال لموسى:   ـ خلي اتنين من الرجالة على باب أوضة هالة.

 

ـ حاضر يا فندم.   ـ واتنين مع ليان.  

ـ تمام.

  ـ ومفيش حد يدخل المستشفى أو يخرج منها إلا لما أعرف.   اقترب الحارس الخاص به، نبيل، وقال بتوتر:

 

ـ يا فندم، إحنا مش عارفين مين اللي ورا الموضوع. وجود حضرتك هنا خطر.   نظر إليه سليم ببرود.  

ـ الخطر كان في بيتي من أسبوع.

  أما هنا…   فأنا اللي هكون الخطر.

 

سكت الجميع.   ثم ابتعد سليم إلى نهاية الممر، وفتح الظرف.  

كانت الورقة داخله مكتوبة بخط هالة.

  لكن بعض الكلمات كانت مهتزة، كأنها كتبتها وهي تصارع الألم.   “سليم بيه…

 

لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا فشلت إني أهرب.   أنا عارفة إنك مش هتصدقني بسهولة.  

بس لازم تعرف إن ليان مش بنتي لوحدي.

 

ليان بنت عمر الحديدي.   أخوك.

 

هو ما ماتش في الحادثة زي ما قالولكم.

 

هو اتخان.

 

وأنا اتجبرت أختفي.

  الناس اللي قتلوا عمر رجعوا يدوروا على بنته، عشان معاها المفتاح الوحيد اللي يفتح الخزنة اللي عمر خبّى فيها الحقيقة.   لو عندك ذرة حب لأخوك…

 

احمي ليان.   ما تثقش في حد من بيتك.  

ولا في حد من شركتك.

  واللي حاول يقتلك من سبع أيام…   هو نفسه اللي قتل عمر.”

 

توقف سليم عن القراءة.   شعر أن الأرض تميل به.  

قرأ السطر الأخير أكثر من مرة.

  “هو نفسه اللي قتل عمر.”   أغلق عينيه.

 

عمر.   أخوه الأكبر.  

الرجل الوحيد الذي كان يستطيع أن يضحك في وجه الموت.

  الرجل الوحيد الذي علّم سليم كيف يمسك السلاح، وكيف يقرأ عيون الكاذبين، وكيف لا ينحني.   لكن عمر لم يكن قاسيًا مثله.

 

كان يحمل في داخله رحمة نادرة.   وكان لذلك سبب موته.  

أو هكذا قيل.

  منذ عشر سنوات، عادوا إلى القصر بجثته المحترقة بعد حادث سيارة على طريق العين السخنة.   والده قال يومها:

 

ـ ادفنوه بسرعة.   وسليم، وكان أصغر وأضعف وأكثر انكسارًا، لم يسأل بما يكفي.  

لم يحارب بما يكفي.

  لم يفتح النعش.   والآن…

 

يقف في ممر مستشفى بارد، ومعه ورقة تقول إن كل ما دفنه بيده كان كذبة.   قبض على الرسالة حتى كادت تتمزق.  

ثم عاد إلى ليان.

  كانت الطفلة تنظر إليه برجاء.   سألته:

 

ـ حضرتك عرفت ماما كتبت إيه؟   جثا أمامها.  

كانت المرة الثانية في نفس الليلة التي ينزل فيها سليم الحديدي إلى مستوى عينَي طفلة.

  ـ عرفت إنها بتحبك جدًا.   ـ بس؟

 

لم يجب فورًا.   كان يرى في عينيها شيئًا من عمر.  

نفس الثبات.

  نفس النظرة التي لا تنكسر بسهولة.   قال بهدوء:

 

ـ وعرفت إنك مش هتمشي لوحدك تاني.   رفعت حاجبيها الصغيرين.  

ـ يعني هتخليني أشتغل؟

  لولا الظرف، لضحك.   ـ لا يا ليان.

 

ـ بس أنا بعرف أمسح الأرض كويس.   ـ أنا متأكد.  

ـ وبعرف أغسل الأطباق.

  ـ واضح إنك شاطرة جدًا.   ـ وبعرف أعمل شاي، بس ساعات السكر بيقع مني.

 

مد سليم يده ووضعها برفق على رأسها.   ـ من النهارده، شغلتك الوحيدة إنك تبقي طفلة.  

نظرت إليه كأن الجملة بلغة لا تفهمها.

ثم همست:

  ـ بس الأطفال مبيجيبوش فلوس.  

اختنق صدره.

 

قبل أن يرد، انفتح باب الطوارئ.

 

خرجت الطبيبة.

 

قام سليم فورًا.   ـ حالتها؟  

ـ مستقرة مؤقتًا، لكن عندها إرهاق شديد ونزيف قديم وآثار إصابات. واضح إنها اتعرضت لاعتداء قبل ما توصل بيتها.

  تحولت ملامح سليم إلى حجر.   ـ تقدر تتكلم؟

 

ـ مش دلوقتي. هي تحت تأثير المهدئات.   ـ عايز أفضل جنبها.  

ـ ممكن دقائق بس.

  دخل سليم الغرفة وحده.   كانت هالة على السرير، وجهها شاحب، وأنبوب المحلول في يدها.

 

لم يتذكرها في البداية.   ثم شيئًا فشيئًا عاد وجهها إليه.  

قبل عشر سنوات…

  كانت هناك فتاة تقف بعيدًا في جنازة عمر.   ترتدي أسود.

 

وتبكي بصمت.   سأل عنها يومها.  

فقيل له إنها موظفة قديمة في شركة عمر.

  ثم اختفت.   اقترب من السرير.

 

ـ هالة.   تحركت جفونها بصعوبة.  

فتحت عينيها نصف فتحة.

  وعندما رأته…   ارتجف جسدها.

 

حاولت النهوض.   ـ ليان…  

ـ بخير.

  ـ فين؟   ـ بره. معاها حراسة.

 

بدأت تبكي دون صوت.   ـ خدها وامشي.  

ـ مين عمل فيكي كده؟

  لم تجب.   ـ هالة، مين؟

 

حاولت الكلام، لكن حلقها كان جافًا.   اقترب أكثر.  

قالت بصوت بالكاد يُسمع:

  ـ المفتاح…   ـ معايا.

 

ـ لا تفتحه في القصر.   تجمد.  

ـ ليه؟

  نظرت إليه برعب.   ـ لأن القصر فيه عين.

 

ـ مين؟   ارتعشت شفتاها.  

ـ مش كل اللي بيقولوا “يا فندم” بيحموا حضرتك.

  ثم انقطعت أنفاسها للحظة.   دخلت الطبيبة بسرعة.

 

ـ لازم تخرج.   لكنه ظل ينظر إلى هالة.  

قالت آخر جملة قبل أن يغيب وعيها من جديد:

  ـ اسأل والدك… عن النعش الفاضي.   تراجع سليم.

 

النعش الفاضي.   كانت هذه الجملة وحدها كفيلة بفتح قبر كامل من الأسرار.  

خرج من الغرفة بوجه لا يقرأ.

  اقترب موسى منه.   ـ يا فندم؟

 

سليم لم يرد.   نظر إلى رجاله.  

إلى الوجوه التي رافقته سنوات.

  ثم قال بهدوء مخيف:   ـ محدش فيكم هيرجع القصر الليلة.

 

استغرب موسى.   ـ أومال هنروح فين؟  

رفع سليم المفتاح الفضي أمام عينيه.

  ـ هنروح نعرف أخويا اتدفن فين.   —

 

في نفس الوقت…   داخل قصر الحديدي بالتجمع الخامس…

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0