
الفصل الخامس
مرّت الأيام الثلاثة التالية ببطء قاتل.
لم يعد أحد في الشقة يتصرف بشكل طبيعي.
داليا أصبحت تتحاشى النظر إلى سلمى.
والحاجة فاطمة فقدت كثيرًا من ثقتها المعتادة.
أما كريم…
فكان يعيش في حالة رعب حقيقية.
لأنه أدرك أن سلمى لم تعد تلك المرأة التي يمكن تهدئتها بكلمتين أو وعد مؤجل.
كانت تتحرك بهدوء.
وذلك الهدوء كان أسوأ من أي صراخ.
—
في صباح اليوم الثالث، رن جرس الباب.
كانت الساعة التاسعة تمامًا.
فتحت داليا الباب.
ثم تجمدت مكانها.
وقف أمامها رجل في أواخر الخمسينات.
يرتدي بدلة رمادية أنيقة.
وفي يده حقيبة جلدية سوداء.
قال بهدوء:
— أستاذ كريم موجود؟
نظر كريم من داخل الصالة.
وفور أن رأى الرجل…
اختفى الدم من وجهه.
نهض فجأة.
— إنت!
رفعت سلمى حاجبيها.
لأول مرة ترى الخوف الحقيقي في عيني زوجها.
الخوف الذي لا يمكن تمثيله.
دخل الرجل دون تردد.
ثم نظر إلى سلمى.
— حضرتك مدام سلمى؟
— أيوه.
مد يده بالمصافحة.
— أنا حسام النجار.
محاسب قانوني.
وكنت شريك والد كريم السابق.
شريك والده؟
نظرت سلمى إلى كريم.
فوجدته يضغط على فكيه بعنف.
—
جلس الجميع في الصالة.
أما حسام فأخرج الملف الأسود من حقيبته.
ووضعه فوق الطاولة.
ثم قال بهدوء:
— قبل ما أتكلم… لازم تعرفوا إنني احتفظت بالملف ده خمسة عشر سنة كاملة.
لأن والد كريم طلب مني كده.
تبادلت سلمى النظرات مع الآخرين.
ثم سألته:
— وليه دلوقتي؟
أجاب الرجل:
— لأن الشرط اللي طلبه والد كريم اتحقق.
— أي شرط؟
فتح الملف ببطء.
ثم أخرج خطابًا قديمًا.
مختومًا.
وموقعًا.
— الشرط كان إن الخطاب ده يتسلم لو كريم حاول يستولي على حق حد أو يعيش على حساب حد تاني.
ساد الصمت.
أما كريم فنهض فجأة.
— كفاية!
لكن الرجل تجاهله.
وأعطى الخطاب لسلمى.
—
بدأت تقرأ.
وكانت الكلمات مكتوبة بخط والد كريم.
“إذا وصلت هذه الرسالة إلى يدك يا سلمى…
فهذا يعني أن ابني خيب ظني.”
ارتجفت أصابعها.
وأكملت القراءة.
“أنا أعرف ابني جيدًا.
وأعرف أنه قد يرث ضعفي…
لكنني كنت أخشى أن يرث أسوأ صفاتي.”
توقفت للحظة.
ثم تابعت.
“كريم لم يخبر أحدًا بالحقيقة كاملة.
ولا حتى والدته.”
رفعت الحاجة فاطمة رأسها فجأة.
أما كريم فأغلق عينيه.
كأنه يعرف ما سيأتي.
ثم قرأت السطر التالي…
وشعرت بالصدمة.
“كريم ليس ابني البيولوجي.”
شهقت داليا.
أما الحاجة فاطمة فصرخت:
— مستحيل!
لكن الرسالة استمرت.
“قبل خمسة وثلاثين عامًا اكتشفت خيانة زوجتي.
وكان كريم طفلًا صغيرًا.
عرفت أنه ليس ابني.
لكنني قررت تربيته رغم كل شيء.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل كالرصاص.
الحاجة فاطمة بدأت ترتجف.
— لا…
لا…
ده كذب…
كذب…
لكن الرسالة لم تنتهِ بعد.
“سامحت.
وصبرت.
وربيت كريم كأنه ابني.
لكنني رأيت فيه مع مرور السنوات طمعًا متزايدًا.”
كانت الكلمات تزداد قسوة.
“لذلك كتبت وصية سرية.”
رفعت سلمى رأسها.
ثم نظرت إلى المحاسب.
فأومأ الرجل برأسه.
وأخرج مستندًا آخر.
وصية رسمية.
موثقة.
قانونية.
—
فتح المحامي الأوراق أمام الجميع.
وقال:
— والد المرحوم كريم ترك شقة في المعادي.
وأرضًا زراعية.
ومبلغًا ماليًا كبيرًا.
لكن الوصية كانت واضحة.
كل شيء يذهب لكريم فقط إذا أثبت خلال عشر سنوات أنه قادر على إعالة نفسه دون استغلال الآخرين.
وإذا فشل…
تنتقل التركة بالكامل إلى مؤسسة خيرية.
نظر إلى كريم.
— وأنت فشلت.
انفجرت الحاجة فاطمة بالبكاء.
أما كريم فجلس وكأن روحه خرجت منه.
لأن معنى ذلك…
أن الملايين التي ظل يعتقد أنها حقه…
ضاعت إلى الأبد.
—
لكن الصدمة الأخيرة كانت أشد.
أخرج حسام ظرفًا صغيرًا.
وقال:
— وفي حاجة تانية.
حاجة تخص مدام سلمى.
نظرت إليه بدهشة.
فتح الظرف.
وأخرج عقدًا.
عقد شراء.
ثم قال:
— والد كريم كان يعرف إنك صاحبة فضل كبير على ابنه.
وكان يتابع أخبارك من بعيد قبل وفاته.
ولذلك اشترى استثمارًا باسمك قبل موته بعام.
استثمار صغير وقتها.
لكن قيمته النهارده…
تجاوزت خمسة ملايين جنيه.
اتسعت عينا سلمى.
— إيه؟
ابتسم الرجل لأول مرة.
مبروك.
الاستثمار ده ملكك بالكامل.
ومتسجل باسمك قانونيًا.
نظرت إلى الأوراق.
ثم إلى كريم.
الذي كان يحدق في الأرض.
لا يستطيع حتى رفع رأسه.
فكرت في السنوات التي ضاعت.
وفي الإهانات.
وفي الليلة التي وقفت فيها أمام طبق بقايا الطعام.
ثم أدركت شيئًا مهمًا.
أن أكبر انتقام لم يكن المال.
ولا الشقة.
ولا حتى القضية.
أكبر انتقام…
أنها أخيرًا لم تعد تحتاج إليهم.
ولا إلى رضاهم.
ولا إلى حبهم المزيف.
نهضت من مكانها.
ثم نظرت إلى كريم للمرة الأخيرة.
وقالت بهدوء:
— انتهى كل شيء.
ولأول مرة منذ سنوات…
كانت تقصدها فعلًا.
الفصل الأخير
ظن الجميع أن القصة انتهت عند تلك اللحظة.
عندما قالت سلمى:
“انتهى كل شيء.”
لكن الحقيقة…
أن بعض النهايات تحتاج إلى وقت حتى تصل.
—
بعد أسبوعين فقط كانت إجراءات الطلاق قد بدأت رسميًا.
ولأول مرة منذ سنوات أصبحت الشقة هادئة.
لا صراخ.
لا أوامر.
لا تعليقات ساخرة.
لا أصوات تلفاز مرتفعة حتى الفجر.
فقط صمت مريح.
كانت سلمى تجلس صباحًا في شرفتها تحتسي القهوة قبل الذهاب إلى العمل.
وتكتشف كل يوم شيئًا غريبًا.
أنها لم تكن متعبة بسبب العمل.
بل بسبب الأشخاص الذين كانوا يعيشون على حساب روحها.
—
أما كريم…
فكانت حياته تنهار قطعة قطعة.
زوجته الأولى هناء اكتشفت كل شيء.
اكتشفت أنه كان يأخذ الأموال منها أيضًا.
ويكذب عليها كما كان يكذب على سلمى.
فرفعت دعوى نفقة ومستحقات.
ودخل في دوامة من القضايا.
أما مشروعه الفاشل الذي ابتلع مئات الآلاف…
فأغلق أبوابه نهائيًا.
واختفى شريكه بالأموال المتبقية.
وفي أقل من شهر تحول الرجل الذي كان يعيش بين بيتين…
إلى رجل لا يعرف أين يبدأ إصلاح الخراب.
—
الحاجة فاطمة انتقلت للعيش مع إحدى قريباتها.
لكن الحياة لم تكن كما كانت تتخيل.
فلم يعد هناك من يدفع الفواتير.
ولا من يشتري الدواء قبل أن تطلبه.
ولا من يحضر لها احتياجات المنزل بصمت.
وكانت تكتشف كل يوم شيئًا جديدًا.
أن الشخص الذي اعتادت التقليل من شأنه…
كان يحمل عن الجميع أعباء لم يشعروا بها يومًا.

