عشاء عائلي حكايات اسما ×2

الفصل الثالث

 

في اليوم التالي، لم تتحدث سلمى مع أحد داخل الشقة.   لم تعد تجادل.

 

لم تعد تشرح.

 

ولم تعد تحاول إقناع أحد بشيء.

 

وهذا تحديدًا ما أقلقهم.

  لأنهم اعتادوا أن تدافع عن نفسها.   أن تبرر.

 

أن تبكي أحيانًا.   أما هذا الصمت البارد…  

فكان شيئًا جديدًا.

  شيئًا مخيفًا.   عادت من العمل مساءً فوجدت كريم ينتظرها في الصالة.

 

كان واضحًا أنه حضّر حديثًا طويلًا في رأسه.   جلس أمامها وقال:  

— إحنا لازم نتكلم.

  وضعت حقيبتها جانبًا.   — اتفضل.

 

تنحنح ثم قال:   — اللي حصل اليومين اللي فاتوا كان سوء تفاهم.  

نظرت إليه بصمت.

  — أمي كبيرة في السن.   وداليا ظروفها صعبة.

 

وإنتِ عارفة إني بحاول أوفق بين الكل.   ابتسمت سلمى.  

— وإمتى حاولت توفق بيني وبينهم؟

  ارتبك.   — يعني إيه؟

 

— يعني خلال ثلاث سنين… مرة واحدة وقفت في صفي؟   لم يجد إجابة.  

فواصلت هي:

  — لما أمك كانت تقول إني متكبرة عشان بشتغل… كنت ساكت.   لما أختك كانت تصرف من فلوسي وكأنها حق مكتسب… كنت ساكت.

 

لما رجعت البيت بعد عملية الزائدة ووقفت أطبخ لأن محدش رضي يعمل أكله بنفسه… كنت ساكت.   كل مرة كنت ساكت.  

خفض رأسه.

  لكنها لم تشعر بأي شفقة.   لأنها تذكرت سنوات كاملة من التجاهل.

 

—   بعد منتصف الليل، استيقظت سلمى لتشرب كوب ماء.  

وأثناء مرورها بجوار غرفة الجلوس سمعت همسات.

  توقفت.   كان كريم يتحدث مع داليا.

 

— لازم ترجع الفلوس قبل ما تعرف.   شعرت بشيء بارد يسري في عروقها.  

— وأنا أجيبها منين دلوقتي؟

  — اتصرفي.   — قلتلك الحساب اتقفل.

 

— لو سلمى اكتشفت المصيبة دي إحنا كلنا هنلبس.   تجمدت سلمى في مكانها.  

ثم عادت إلى غرفتها بهدوء.

  لكن النوم لم يعد ممكنًا.   في صباح اليوم التالي أخذت إجازة من العمل.

 

ولأول مرة منذ سنوات فتحت كل ملفاتها المالية القديمة.   كشوف الحسابات.  

البطاقات الائتمانية.

  التحويلات البنكية.   القروض.

 

كل شيء.   وفي البداية لم تجد شيئًا.  

ثم فجأة…

  لاحظت اسمًا متكررًا.   تحويل شهري.

 

ثم تحويل آخر.   ثم عشرات التحويلات.  

كلها تخرج من حسابها المشترك مع كريم.

  إلى حساب شخص واحد.

شخص لم تسمع باسمه من قبل.

  محمود الشناوي.  

أخذت نفسًا عميقًا.

 

وبدأت تجمع البيانات.

 

كل شهر.

 

كل سنة.   وكل مبلغ.  

وبعد ساعتين فقط…

  اكتشفت الحقيقة.   أكثر من أربعمائة ألف جنيه اختفت خلال ثلاث سنوات.

 

أربعمائة ألف جنيه.   شعرت بدوار مفاجئ.  

لكن الصدمة الحقيقية جاءت عندما استعانت بصديق قديم يعمل في البنك.

  فأخبرها بعد ساعات قليلة بمعلومة جعلت الدم يتجمد في عروقها.   الحساب الذي كانت تذهب إليه الأموال…

 

مرتبط بمشروع تجاري فاشل.   وصاحب المشروع الحقيقي…  

هو كريم.

  جلست على كرسيها غير مصدقة.   طوال السنوات الماضية كان يدعي أن راتبه بالكاد يكفيه.

 

وأن ظروفه صعبة.   وأنه يحتاج مساعدتها.  

بينما كان يسحب أموالها سرًا لتمويل مشروعه الخاص.

  مشروع لم يخبرها عنه أصلًا.   بل والأدهى من ذلك…

 

أنه سجله باسم شخص آخر.   كي لا تعرف.  

أغلقت عينيها للحظات.

  ثم ضحكت.   ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

 

أخيرًا فهمت.   لم تكن مجرد بطاقة بنكية.  

بل كانت المستثمر الساذج الذي يمول حياة الجميع دون أن يعلم.

  —   في تلك الليلة عاد كريم إلى المنزل وهو يبتسم.

 

كأنه يعتقد أن الأزمة بدأت تهدأ.   لكن ما إن دخل الصالة حتى رأى حقيبة سفر كبيرة قرب الباب.  

توقف فجأة.

  — إيه ده؟   خرجت سلمى من غرفتها.

 

هادئة.   مرتبة.  

مختلفة.

  — حاجات مين دي؟   أجابته دون انفعال:

 

— حاجات أمك وأختك.   شحب وجهه.  

— نعم؟

  — عندهم أسبوع يلاقوا مكان تاني.   خرجت الحاجة فاطمة من غرفتها بعدما سمعت الحديث.

 

— إنتِ اتجننتي؟   نظرت إليها سلمى بثبات.  

— لا.

  أنا فقط صاحبة البيت.   ولأول مرة بمارس حقي ده.

 

صرخت داليا:   — مش هتعرفي تعملي كده!  

عندها فتحت سلمى درج الطاولة.

  وأخرجت ملفًا جديدًا.   ليس ملف الشقة هذه المرة.

 

بل ملف التحويلات البنكية.   ثم ألقت به أمام كريم.  

تغير لون وجهه فورًا.

  وعرفت من نظرته…   أنه فهم.

 

فهم أنها اكتشفت كل شيء.   وأن اللعبة التي استمرت ثلاث سنوات…  

انتهت أخيرًا.

  لكن ما لم تكن سلمى تعرفه…   أن هناك سرًا أخطر بكثير من الأموال.

 

سر دفنته الحاجة فاطمة منذ بداية الزواج.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0